الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
473
تفسير روح البيان
وشهد بدرا وبيعة الرضوان وعمم اللّه الخطاب في الآية تعميما للنصح والعدو فعول من عدا كعفو من عفا ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد والمراد هنا كفار قريش وذلك أنه لما تجهز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لغزوة الفتح في السنة الثامنة من الهجرة كتب حاطب إلى أهل مكة ان رسول اللّه يريدكم فخذوا خذركم فإنه قد توجه إليكم في جيش كالليل وأرسل الكتاب مع سارة مولاة بنى عبد المطلب اى معتقتهم وأعطاها عشرة دنانير وبردة وكانت سارة قدمت من مكة وكانت مغنية فقال لها عليه السلام لما ذا جئت فقالت جئت لتعطينى شيأ فقال ما فعلت بعطياتك من شبان قريش فقالت مذ قتلتهم ببدر لم يصل إلى شيء الا القليل فأعطاها شيأ فرجعت إلى مكة ومعها كتاب حاطب فنزل جبرائيل عليه السلام بالخبر فبعث رسول اللّه عليه السلام عليا وعمارا وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ موضع بين الحرمين وخاخ بالمعجمتين يصرف ويمنع فان بها ظعينة وهي المرأة ما دامت في الهودج وإذا لم تكن فيه فهي المرأة معها كتاب حاطب إلى أهل مكة فخذوه منها فخلوها فان أبت فاضربوا عنقها فادر كوهاثمة فجحدت فسل على رضى اللّه عنه سيفه فأخرجته من عقاصها اى من ضفائرها ( روى ) ان رسول اللّه عليه السلام أمن جميع الناس يوم فتح مكة الا أربعة هي أحدهم فأمر بقتلها فاستحضر رسول اللّه حاطبا فقال ما حملك على هذا فقال يا رسول اللّه ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك الغش ترك النصح والنصح عبارة عن التصديق بنبوته ورسالته والانقياد لأوامره ونواهيه ولكنني كنت امرأ ملصقا في قريش اى حليفا ولم أكن من أنفسهم ومن معك من المهاجرين كان له فيهم قرابات يحمون أهاليهم وأموالهم وليس فيهم من يحمى أهلي فأردت أن آخذ عندهم يدا اى اجعل عندهم نعمة ولم افعله كفرا وارتدادا عن ديني وقد علمت أن كتابي لا يغنى عنهم شيأ فصدقه رسول اللّه وقبل عذره فقال عمر رضى اللّه عنه يا رسول اللّه دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال يا عمر انه شهد بدرا وما يدريك لعل اللّه اطلع على من شهد بدرا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ففاضت عينا عمر رضى اللّه عنه وفي القصة إشارة إلى جواز هتك ستر الجواسيس وهتك أستار المفسدين إذا كان فيه مصلحة أو في ستره مفسدة وان من تعاطى امرا محظورا ثم ادعى لم تأويلا محتملا قبل منه وان العذر مقبول عند كرام الناس ( روى ) ان حاطبا رضى اللّه عنه لما سمع يا أيها الذين آمنوا غشى عليه من الفرح بخطاب الايمان لما علم أن الكتاب المذكور ما أخرجه عن الايمان لسلامة عقيدته ودل قوله وعدوكم على إخلاصه فان الكافر ليس بعد وللمنافق بل للمخلص تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ الود محبة الشيء وتمنى كونه ويستعمل في كل واحد من المعنيين اى توصلون محبتكم بالمكاتبة ونحوها من الأسباب التي تدل على المودة على أن الباء زائدة في المفعول كما في قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة أو تلقون إليهم أخبار النبي عليه السلام بسبب المودة التي بينكم وبينهم فيكون المفعول